19 Dec 2017 Story Air

الرائحة الكريهة في مدينة القاهرة

إذا كان النيل هو قلب القاهرة المعتدل، فإن السماء الملوثة هي الرئة السوداء

تختنق المدينة من جراء دوامة الغبار المتناثرة في الساعات الأولى من الصباح، التي تغطي كتل مباني الشقق الشاهقة بالوحل وتغطي الأهرامات الكبرى بضباب لا يمكن اختراقه. ويتسبب الغبار في انسداد وحدات تكييف الهواء، التي لم تعد قادرة على درء القذارة. وغالبا ما يعزف مرضى الربو عن الخروج والبقاء كسجناء في منازلهم.

وبالنسبة لأصحاب المحلات التجارية في أكبر المدن في القاهرة، يمكن أن تبدو الحياة الأكثر تداولا كأنها معركة دائمة للتنفس. وقال حسن صبرى محمد، بائع الفواكه فى منطقة وسط المدينة، انه أغرق الرصيف المحيط بالماء للحفاظ على عدم تناثر الغبار، قائلا " إنني لا أدخن أبدا، ولكن في بعض الأحيان يبدو الأمر كأنني مدخن من شدة الغبار".

وما يشعر به حسن صبري يشعر به الآخرون أيضا فهو ليس بمفرده، حيث يعيش أكثر من 20 مليون شخص في مساحة صغيرة نسبيا، التي تصعب المهام على القاهرة في الحصول على هواء نقي. ومع ذلك، لم يتوقع أحد أن يكون الوضع قاتما. وارتفعت معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، مما زاد من العبء على المستشفيات التي تعاني بالفعل في الدولة. وأفاد البنك الدولي أن الاقتصاد آخذ في التهاوي، مع ضعف نوعية الهواء التي تدمر ما لا يقل عن واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي كل عام. بل إن التلوث يغير شكل رأس المال، حيث تنجذب بعض الأسر الشابة نحو المدن الساتلية الآخذة في التوسع بسرعة سعيا لتحقيق هواء أنظف. ودائما ما نرى لافتات يكتب عليها 'العيش في بيئة صحية"، وهي أحد الإعلانات التي توضع على الطرق السريعة للإعلان عن مجمع سكني جديد في الصحراء.

 

أفاد البنك الدولي أن الاقتصاد آخذ في التهاوي، مع ضعف نوعية الهواء التي تدمر ما لا يقل عن واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي كل عام.

 

ولكن للمرة الأولى منذ فترة طويلة، هناك بعض الأمل في أن تكون مدن مصر الضخمة قادرة على السيطرة على الرائحة الكريهة. وتسير مشاريع النقل العام بوتيرة متسارعة خلال عقد تقريبا، في حين يبدو أن السلطات تقوم ببطء في عمليات كبح جماح الحرائق الزراعية غير المشروعة. وكانت "الغيمة السوداء" هذا العام، وهو الاحتراق السنوي لقش الأرز في دلتا النيل، أقل ضراوة مما كانت عليه في السنوات الماضية. الأهم من ذلك، ربما، المجموعة المتزايد من رجال الأعمال، والشركات المبتدئة، وقادة الأعمال الذين وجهوا مواهبهم لمعالجة بعض من المشاكل في مدن مثل مسقط رأسهم الأكثر تضررا. وإذا تمكنت مدن مثل لندن، التي كان "الضباب الدخاني الكثيف" يغطي سمائها في الخمسينات، من التغلب على هذه المشكلة، فلماذا لا يمكن للقاهرة أن تتغلب هي الأخرى على مشكلتها؟ وتقول إيناس خميس، التي تعمل في مجموعة نافذة غير الربحية، التي توظف الصم في مجال الفنون والحرف المصنوعة من قش الأرز: "لقد فتحت هذا المكان لصنع أشياء جميلة من قش الأرز الذي كان يتم حرقه وعدم الاستفادة منه" وأضافت " ومن ثم فإنني أساعد الأشخاص والبيئة في آن واحد".

على الرغم من أن القاهرة تعد من أكثر المدن تلوثا من حيث حجمها، إلا أن سكانها أبعد أن يكونوا في مدينة فريدة من نوعها. وعلى الصعيد العالمي، يلبي 12 في المائة فقط من المناطق الحضرية معايير جودة الهواء التي وضعتها منظمة الصحة العالمية. ويمكن أن يعزى واحد على الأقل من بين تسعة وفيات إلى تلوث الهواء، أو ما يقرب من سبعة ملايين شخص سنويا. ولكن في حين أن معظم المدن تعاني من المشاكل ذات الصلة بنوعية الهواء، إلا أنها مشكلة خاصة في العديد من البلدان النامية. وأدى التحضر السريع، وضعف إنفاذ اللوائح البيئية، واستخدام الوقود الأرخص إلى تعريض مئات الملايين من سكان المدن الأكثر فقرا إلى الهواء السيئ. وبينما يستمر تزايد أعداد السكان، فغالبا ما تكون هناك ضغوط هائلة على الخدمات، ويقول الخبراء إن المسؤولين والمواطنين على السواء سيضطرون إلى التغلب على جميع العقبات لمعالجة هذه الأزمات. وتقول سوراية سمعون، أحد كبار المتخصصين في جودة الهواء في الأمم المتحدة للبيئة "إن هناك وعي متزايد، والمزيد من المعرفة حول مسألة نوعية الهواء على نطاق عالمي، على الرغم من عدم وجود بيانات في بعض المناطق. نحن نعرف أيضا الكثير عن إيجاد الحلول الآن". وأضافت "لكني اعتقد أن هناك حاجة إلى مزيد من الضغوط للمحافظة على قوة الزخم".

من المزارع إلى المصانع

القاهرة هي حالة كلاسيكية. فهي الواحة الخضراء الواقعة على طول ضفاف النيل، وقد ارتفعت مشاكل التلوث مع سكانها. وقد تزايدت مشكلة التلوث في القاهرة التي تستوعب الآن ثلاث أضعاف ما كان يقطن بها منذ 1970. ومع الشوارع الضيقة الموجودة بين البنايات المرتفعة، فإن السموم الناجمة عن التلوث تعلق في هذه البنايات التي لا مفر منها. وقد اختفت تقريبا جميع أشجار المدينة التي تعد كالإسفنج الذي يمتص الغبار بصورة أكثر فعالية، تحت البنايات الخرسانية، كما اختفت الكثير من الأراضي الزراعية المحيطة بها. ويتم فقدان ما يصل إلى 30000 فدانا من المساحات الخضراء بسبب الزحف العمراني في جميع أنحاء البلاد كل عام، لذلك تقل الحواجز التي تعوق زحف الرمال والعواصف الناجمة من الصحراء في بعض الأحيان. وكما هو الحال في مدينتي طهران ولوس أنجلوس، وكلاهما يعاني من درجات متفاوتة من نوعية الهواء السيئة والتي تحيط بها الجبال جزئيا على الأقل، كما أن تضاريس القاهرة لا تكن في صفها دائما. كما أن تلال المقطم، التي تقع بجانب منطقة القلعة في الجنوب الشرقي للمدينة، تمنع الرياح الشمالية من الهبوب بالغبار المحمل بالقذارة والتلوث.

وقد ازداد عدد السيارات في مصر من سبعة إلى ثمانية ملايين سيارة بين عامي 2013 و 2014 وحده، ولكن لم يتم مواكبة طرق القاهرة ولا معايير تفتيش المركبات. وتكون جودة الهواء أفضل بشكل ملحوظ خلال العطل المدرسية عندما يكون هناك عدد أقل من السيارات والأوتوبيسات في الطرق. وفي مجال الصناعة أيضا، كانت هناك طفرة لا يسيطر عليها بالكاد - غالبا في الأحياء المكتظة بالسكان. بدءا من المصانع الضخمة الموجودة في حلوان لصناعة الطوب والصلب في الجنوب وصولا إلى مصانع المصاهر المترامية الأطراف والمصانع الكيماوية في شبرا الخيمة في الشمال. ويتقيد عدد قليل منهم بالتمسك بالقواعد والقوانين. وقالت ليلى إسكندر، وزيرة البيئة السابقة "إن الصناعة تنتهك حاليا كل اللوائح الصناعية التى يمكن تخيلها". وأضافت "لا أحد يتحدث عن نوعية الوقود".

 

يكرس المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة للبيئة، مزيدا من الاهتمام والموارد لمواجهة ما يعتبر الآن أكبر خطر على الصحة البيئية في العالم

ثم هناك حرق النفايات الزراعية. وفي كل عام، بين سبتمبر ونوفمبر، تنتقل أدخنة كثيفة من الدخان السام إلى القاهرة من دلتا النيل، مما أثر على الصحة العامة والإصابة بالكثير من الأمراض مثل مشاكل الجهاز التنفسي المزمنة. وبسبب عدم تمكنها من التخلص بسهولة من المخلفات من محاصيلها من الأرز - ومع عدم وجود أي طريقة بديلة للتخلص من قش الأرز، فإن العديد من المزارعين يشعلون القش، على الرغم من الحظر الحكومي. هذه الحرائق، التي تعتبر كبيرة جدا يمكن رؤيتها من الفضاء، وهي تمثل الآن ما يقرب من نصف تلوث الهواء في البلاد، وفقا لوزارة البيئة.

الرئة السوداء للدراجات

ومما لا يثير الدهشة أن كل هذا أدى إلى خسائر خطيرة في الصحة العامة. ويعيش حوالي 40 ألف شخص حتفهم بسبب المشاكل المرتبطة بالتلوث في جميع أنحاء مصر كل عام، وفقا ل "حملة تنفس الحياة 2030"، وهي مبادرة مشتركة بين منظمة الصحة العالمية، و "الأمم المتحدة للبيئة" و "ائتلاف المناخ والهواء النظيف" لتعزيز الوعي بتلوث الهواء. وقال محمود الزرقاني، أستاذ أمراض الصدر في جامعة القاهرة: "هناك تأثيرات عديدة على الجهاز التنفسي، وزيادة خطر العدوى، وتشنجات الشعب الهوائية، والتهابات الرئة، والالتهاب الرئوي. "وفي نوفمبر من العام الماضي، أرسلت كلية القاهرة الأمريكية، وهي مدرسة خاصة في حي المعادي، رسائل إلكترونية تحذيرية عن نوعية الهواء في 11 مناسبة، وغالبا ما تم إلغاء دورات رياضية في داخل المدرسة بسبب الظروف القاتمة جدا.

وهناك على الأقل بعض الحلول الجزئية على الطاولة التي يمكن أن تقلل من التلوث. وقد أحرز تقدم كبير بشأن إنشاء خط مترو الأنفاق الثالث في القاهرة الذي توقف لفترات طويلة، وهو رابط آخر في حاجة ماسة إليه بسبب تزاحم حركة المرور على ضفاف النيل. وقد تم إنشاء عدد من الشركات الناشئة مثل سوفل وباص بولينغ، بهدف دفع أصحاب السيارات الخاصة إلى وسائل نقل أكثر استدامة. ويبدو أن ركوب الدراجات أيضا يشهد شيئا من الطفرة، مما دفع بعض علماء البيئة إلى التساؤل عما إذا كانت القاهرة قد تستخدم يوما ما الدراجات بأعداد كبيرة كوسيلة للمواصلات. وقال مصطفى درش حسين، وهو منظم سابق في نادي راكبي الدراجات في القاهرة وعضو فريق في الذراع الأخضر، وهو مركز أبحاث بيئي: "كانت الفكرة هي أن المدينة تتزايد وتزدحم من كثرة السيارات، وأن نوعية الهواء سيئة حقا ومرهقة حقا للجميع". "كنا نفكر في ما يمكننا القيام به، ويعتقد أنه إذا كان الناس يستخدمون الدراجات بدلا من السيارات التي قد يكون حلا جيدا على المدى الطويل". ينشغل مصطفى مع زملائه بتركيب مواقف للدراجات في بعض محطات المترو والضغط على السلطات المحلية لتحديد مسارات خاصة في الطرق من أجل سير الدراجات.

وربما يبدو أن القطاعين العام والخاص قد أتوا ببعض الحلول للقضاء على وباء حرق قش الأرز. وقد قام المهندس المعماري عصام حسني بتصميم الكتل البنائية من القش، مما قد يقدم جوابا عن عدم توفر مواد البناء بأسعار معقولة في مصر. وأضاف: "إنها تحول هذه المشكلة إلى مصلحتنا!". استغرق العاملون في الخزف في منطقة القاهرة القديمة في العاصمة قش الأرز لتعبئة بضائعهم الثمينة؛ وقامت بعض الشركات الصغيرة بجمعه، ودمجه، وبيعه لصناعة الأسمنت. وبعد سنوات من المفاوضات، يبدو أن وزارة الزراعة قريبة من إبرام اتفاق مع المزارعين، حيث سيتم الاتفاق على دفع مبالغ من المال إلى المزارعين مقابل تسليم قش الأرز إلى مستودعات الحكومة.

وعلى الصعيد العالمي أيضا، يكرس المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة للبيئة، مزيدا من الاهتمام والموارد لمواجهة ما يعتبر الآن أكبر خطر على الصحة البيئية في العالم. وشاركت منظمة الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الصحة العالمية في تقييم كيفية تحسين رصد الآثار الصحية المترتبة على سوء نوعية الهواء. وبدءا من أديس أبابا ونيروبي وكيغالي، ستبدأ الأمم المتحدة للبيئة في توفير الدعم لنظم إدارة تلوث الهواء في المناطق الحضرية. وفي ضوء الحاجة الملحة التي يعتقد الخبراء أن هذه المشكلة يجب أن تعالج، ركزت جمعية الأمم المتحدة للبيئة لعام 2017 على مشكلة التلوث.وهناك خبراء حريصون على دفع فكرة أن المدن الملوثة، مثل العاصمة المصرية، يمكن أن تغير مصيرها دون استخدام المزيد من الأموال.

وتقول سرية سمعون من الأمم المتحدة للبيئة: "هناك بعض الثمار الناضجة، وليس من الضروري دائما استخدام تقنيات متطورة لمراقبة نوعية الهواء، والتي لها سياسات معقدة إذا لم يتم تطبيقها". هناك حلول محلية لرصد وإدارة الهواء بما في ذلك مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة في قطاعات مثل النقل النظيف والمستدام، وإدارة النفايات، والصناعات النظيفة على سبيل المثال لا الحصر، وهذا شيء يمكن لمدن مثل القاهرة العمل بشأنها. "